لاشتنذاخ: أناديك
أناديك فتنغمر المسافات حنينا ينفتح كالشجر، تلاقيه قوافل المساء، خاشعة كترانيم تاوسيدانت(فنانة أمازيغية من الأطلس) ، ذلك الصوت الغجري، صوت الصبايا في الوادي حين تقطف نسيم الصباح،سالت في خاصراتها دماء التاريخ، تنشد في الذاكرة ملاحم الوداعة، وداعة شعب مسالم ساعة الحسن في الجوار، كنا الشعب الذي قبل برحابة صدر كل ثقافات الأمم الهمجية، حملنا أسماء الضالات من شيع الحاملين لسيف الطاعة، ولم نطع أحدا بعد،تركناهم يبحثون لنا عن أصول في مزبلة تاريخ فاشي أصوله ماتيسر من حقارة بدوية، من البداية، كنا أيضا بدوا يغني أساطره ولم ندعي في كل التاريخ أننا مدد لهذا النسل الملقح، نحن كنا هنا منذ البدايات ولم نبحث عن نزوة، ونحن أيضا نحمل كل أسماء الثقافات التي توالت عبر التاريخ، كنا الشعب الحاضن لهذه الغزوات الهمجية عبر التاريخ، إن الشعوب التي تدعي أنها كانت أصولنا، هي الشعوب التي تشهد علينا همجيتها، كل الفتوحات كانت نزوة همجية، هكذا كان المنطلق.
يحمل خطاب مثل أن نكون في الأصل من أفخاد قبيلة ضاربة في القدم من أصول جنس معين سمات المقاومة في أن يبقى المهيمن، يقاوم لأنه ببساطة شاخ يحتضر في توق العاجز الذاهب إلى حتفه، تقه إلى البقاء، يلفظ أنفاسه بقوة عله يعيش، لذلك، كل الذين مستهم لحظة الإحتضار أن يقبلوا بالمصير المحتوم، كل دولة هي وطن لشعوبها، لا مؤامرة ولا هم يحزنون، المؤامرة هي أن تقيم علينا الأنظمة بدون شرعية، أنظمة لم يخترها أحد بل هي أنظمة قائمة بالمؤامرة على شعوبها، مالذي يجنيه المواطن العربي بالمشرق من أن يكون المواطن المغربي عربي بالقوة لا بالفعل؟ لماذا هذه الضجة في أن يفهم شعب ما علوم عصره باللغة التي يتكلمها؟
في قراءة لمقدمة ابن خلدون، يقر هذا العلامة، وعلى الرغم من نبوغه في اللغة المضرية، بأن لغة الحضارة هي هذا المزيج من تفاعل الثقافات في حاضرة معينة، يقول ابن خلدون بأن العرب أنفسهم في الأندلس أو في المغرب أو في اي بلد هي هذا التلاقح الثقافي العارم بين القوميات في حاضرة معينة.
للغة منطقها العصري، وهو بالضرورة منطق يختلف من جيل إلى آخر فالمنطق الذي كان يرى صورة محمد الخامس في القمر لا يرى الآن أحفاده هناك.
ما يعتبره البعض في الأمازيغية لغة وثنية هو انها لغة حاملة لذاكرتها التاريخية، هو انها لغة أمينة لتاريخها الحقيقي، وليس للتاريخ الذي يريد البعض أن يوغله فينا، إن المستفز للعرب والمستفز لفرنسا وللشعوب المستعمرة هو حمولتها الثقافية، فهي ذاكرة تحمل كل الإحترام للشعوب التي لم تخض معها معارك قتالية، ذاكرة تحفظ للفراعنة في مصر كل الود، من أسماء نسائنا ، إيزا من إزيس إلهة الجمال عند المصريين، نحمل كل الإسماء التي مرت من هنا نحمل اسم طارق من أسماء الغزو عند العرب، كما نحمل أسم أغوستين من أسماء المسيحية ونحمل اسم أبوليوس ملحمة المثاقفة الأمازيغية للروم والحملات العدائية، حتى الفرنسيون في الذاكرة الامازيغية المقاومة تنعتهم بالروم، بل لا أبالغ بأن أسماء كلابنا في الأطلس هي اسماء مستعمرين فرنسيين (سوسان/سوزان، بلاك وما إلى ذلك أما الأسماء القديمة لكلابنا فهي بوزكزا/ الأزرق، عراش/لاصق…)، نحن شعب نعشق إيزيس(نسمي أيضا نساءنا بإيتو وأعتذر من القراء عن ذكر مصدره فهو غالب من أسماء المثولوجية اليونانية أو هو من الأسماء الإفريقية ) لأنها لم تأتي إلينا عبر حملات عسكرية، جاءت بالحضن، بالحب والجمال لذلك نسمي نساءنا باسمها، باختصار بالغ هذا مايخيف العرب الإسلاميين منهم في الأمازيغية وصحيح أن الإحالات الشعرية غنية بهذه المراجع، فتحقير الأغنية الأمازيغية ليس بريئا عند الإسلاميين، بل أستطيع القول بأنه غناء مناهض ويحمل دلالات المقاومة من خلال احتقاره لرجال الدين وصولا إلى شكوكه الفلسفية حول الكثير من المفاهيم.
وتبقى الإشارة أن خطورته تتجلى في الإحتضان الشعبي لهذا الغناء أو هذا الشعر، وهو ما لم تستطع قوى التحجر خلعه من منطلق شخصية الأمازيغي المتفتحة على كل الثقافات، فأغلب الوطنيين لم يهضموا أن القبائل الامازيغية لم تهضم الثقافة الإسلامية العربية إلا عندما التحف الجميع سياسة اللطيف الخادعة للأمازيغ تجاه فرنسا الإستعمارية.
إيدا طالب اذغلو، إبظو كوفلاغ أمزنث إشذران
إوا حطراس أعيشة، لكثوب أغرا تشين إظان
ذهب الفقيه ليسرق وسقط في عتمات الزريبة
أنجديه ياعائشة، لأنها الكتب التي ستفترسها الكلاب
هذه الشخصية العجيبة عند الشاعر، لا تمثل في الموروث الثقافي إلا شخصية تافهة، لص بحمولته وليس بقوته، اللص فقيه من رجال الدين والمنقذ عائشة برغبة من وليها أو أبوها إن شئتم ، لماذا؟ لأنه ببساطة لا يمثل صرح مقاومة، هو غازي في أحسن الأحوال يقصد الزريبة، مفضوح الهوية ، فقيه بالمعنى الديني، كاتب طلاسم، فقيه تافه ينتقذه من حيث هو حامل لثقافة معينة حامل لكتاب، من الحفظة، يمتهنها لكي يسرق، هزم أمام كلب أو كلاب، لا منفذ له سوى عائشة ، أن انقاذ امرأة لرجل هو بمثابة اندهار الذكورية، لكن والحقيقة أقول في الخطاب الأمازيغي لا يعني الأمر كذلك. يعني احتقار الشخصية الدينية: لص تلجأ لإانقاده امرأة برغبة من وليها، وحتى لم افترضنا تأويلا أنه لم يأت للسرقة بل جاء إلى المرأة كما هي عادة الفقهاء فهم جليسي نساء، أكثر منهم جليسي رجال، فإرسال المرأة لإنقاذه هو في حد ذاته إهانة، فالذي تهزمه الكلاب أو تفضحه في خلسة انتظار لايستحق أن يكون عاشقا أو معشوقا، فهوا ليس كائنا بشريا بل كتابا.
في بيت شعري آخر من الذاكرة الشفهية ويغنى في كل الأعراس بالأطلس المتوسط، الشاعر هنا يتهم الله بالإزدواجية:
شوف أربي ثوذماوين أي تكاد
شا أذي جان شا ياذي توهوال
انظر ياإلهي، ميز هذا الذي تصنعه
البعض ينام هنيئا والبعض مهوولا
يبدوا الكلام هنا واضحا لا يحتاج إلى عميق شرح، فهو في كل التأويلات، سواء تعلق الأمر بالعشق أو تعلق بالأرزاق، فالإتهام بالإزدواجية في تقدير الأقدار أو توزيعها على عباده ينم عن غياب العدالة ويتفه حكمته فالناس في حياتهم اليومية تعيش هذا العبث في التوزيع وتشكك في حكمته المفترضة، وهذا بيت شعري آخر يغنى مثله مثل الأول في جميع المناسبات بل حتى في الأغاني المذاعة وهو بيت يعترف فيه الشاعر باليوم الآخر وبعذاب القبر وما إلى ذلك مما يثقل كاهل المسلمين من ترانيم الوعيد ولافا الجحيم الموعود به لأصحاب السيئات وهنا الشاعر بنبرة التحدي يأمر بخطيئة العشق ويستحب حر اللقاء في جحيم القبر:
إناس إبابانو مش موثخ ثنرذ ذو






















